الثلاثاء، 24 مارس 2009

إيران بين الديمقراطية وسلطة الفقيه

ورد في نص الدستور الإيراني المستفتى عليه عام (1979) أي بعد عودة الخوميني من منفاه وقيام الدولة الإسلامية في إيران،في مادته الخامسه أنه ( في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتّقي،‌ البصير بأمور العصر،‌ القادر على الإدارة)، وقد حددّنا فيما سبق المفهوم المذهبي للفقيه وولايته المطلقة في نظرية الخوميني، ولكن يبقى التساؤل،هل يمكن أن توجد مفاهيم عن الديمقراطية في إيران فضلاً عن تطورها في ظل ولاية الفقيه وسلطته؟،أي هل من الممكن أن تتطور مفاهيم المجتمع المدني وحرياته في ظل الحكومة الدينية؟।
فإذا وضعنا في الاعتبار أن مفهوم الديمقراطية في نشأته الغربية قام في جانب منه ضد الحكم الديني الكنسي وفردية التوجه في بناء المجتمعات، بل وعجز المسيحية عن تقديم حلول مباشرة ومقنعة عن تطور الحياة الإنسانية والحريات الفردية خارج الإطار الديني أو داخله . وأن مصطلح الديمقراطية مأخوذ من الكلمة اللاتينية (Democratia)،والمكون من شقين (Demos) ويعني الناس أو الشعب و (Kratos) بمعنى القيادة أو الحكومة،أي حكم الشعب،بمعنى أن يكون الشعب حاكماً لذاته بذاته في بناء المجتمع .ولست أحاول هنا المقارنة بين تجربتين مجتمعيتين في سياق تاريخي وديني منفصل تماماً.ولكن من الملاحظ أن تلك التساؤلات تطرح نفسها دائماً في ظل وجود السلطة الدينية على اختلاف أشكالها.
فمن ضمن المفاهيم المطروحة بالفعل على الساحة الإيرانية منذ عقود وإلى الأن،العلاقة بين الديمقراطية ـ والتي أصطلح على تسميتها الإيرانية (مردم سلاري) وهي تعني بالفارسية (القيادة الشعبية) والمشتقة من نفس التركيب اللاتيني وتؤدي نفس الدلالة ـ وبين ولاية الفقيه،وهل هناك إمكانية لتحديد تلك السلطة المطلقة،وما الدور المنوط بالناس القيام به في ظله المستمد من الله مباشرة.فالسلطات الممنوحة له كفرد تفوق سلطة المجتمع الإيراني ذاته على ذاته،فهو المنسق العام للسياسات العليا للدولة،وهو القائد العام للقوات المسلحة،والقادر حتى على تنصيب رئيس الجمهورية (الذي يُعتَبر الرجل الثاني في الدولة) بعد انتخابه من قبل الشعب (أي أن موافقته تأتي في النهاية على اختيار الشعب)،والعديد من المسؤوليات الجسام ولا يحق لأحد من كان معارضته أو رد قرارته.
فالفرد يظل تحت الوصاية المطلقة لسلطة الفقيه،بوصفه فاقد الأهلية،ولا يجوز له الاعتراض أو إبداء الرأي بأي شكل في شخص الولي الفقيه أو إدارته،لكل حقوقه تنحصر في الطاعة المطلقة.كما أن عزل الفقيه لا يتم من قبل الناس وإنما من قبل الفقيه ذاته إذا لاحظ في نفسه أنه افتقد شرطاً من شروط لعدالة الشرعية، فلا يملك أي بشري محاكمته فهو مسؤول أمام الله فقط عن أفعاله.حتى أن الدستور ذاته وما تبعه من قوانين لا يمثل سلطة فوقية على الفقيه بل العكس،الدستور ذاته قد اكتسب شرعيته من خلاله،فكل السلطات التشريعية والتنفيذية (والتي منها رئيس الجمهورية) تحت سلطته المطلقة ولا يمثل وجودها أي استقلال عن حاكميته المستمدة من السلطة الدينية أي الإلهية المباشرة.
فمن البديهي أن الديمقراطية لا تمت بصلة إلى مفهوم الولاية كما تطرحه المنظومة الفكرية الإيرانية،والشيعية بشكل عام.فمن أسس الديمقراطية الحرية الفردية،الحق في اختيار الحاكم أياً كان شكله، التدرج الطبيعي من شعب ينتج نظم وقوانين وقيادات تمثله( لا العكس) ،المساواة المطلقة لكل الإتجاهات المعارض منها والمؤيد،وليس تحديد فئة واحدة قادرة على الحكم وهم الفقهاء دون غيرهم،وكذلك الاستقلال الواجب بين السلطات الممثلة للدولة،في حين أن السلطات كلها نابعة من الفردية المطلقة في إيران.
وبالتالي لابد أن نجد المؤيدين لولاية الفقيه المطلقة يعتبرون أن الديمقراطية غير ذات جدوى،بل أنها غير مفيدة لتطور المجتمع،فالناس لا يملكون سوى الطاعة المطلقة لأوليائهم الشرعيين والتبعية الكاملة لأوامرهم.وإلا تسبب ذلك في إنهيار وفساد المجتمع.
وفي النهاية نلاحظ أن هناك تعارضاً جلياً بين الأسس البديهية للديمقراطية وبين نظرية ولاية الفقيه وممارستها الاجتماعية في إيران،وحسب وجهة نظري أن هذا التعارض لافكاك منه في المجتمع الإيراني أو في أي مجتمع قرر إلغاء ذاتيته والسعي وراء عدالة الدولة الدينية فطالما إنتقل الدين إلى حيز الرؤى الشخصية والتطبيقات السياسية إلا وفقد طبيعته الأصيلة وتحول إلى فردية مطلقة تستمد سلطتها من نظرتها الخاصة والخاصة فقط عن الدين.
( جريدة صوت البلد)

الخميس، 19 مارس 2009

المد الثوري والمد الشيعي

من البديهي بل من الضروري أحياناً تصدير التجارب الثورية الممتزجة بالمعاناة التاريخية للمجتمعات،لكن من المستحبل أن تُنتَج ثورة نقية خالية من كل انتماء أيدلوجي (سياسي أو ديني)،تهدف إلى الحرية الكاملة الملتزمة لصنع حضارة إنسانية مكتملة الملامح والأسس،فالثورات نتاج حراك إجتماعي لكل طبقات المجتمع وطوائفة،ولكن دائماً ما تطل إشكالية التيار الواحد والمستفيد الأوحد من كل مرحلة من مراحل التغيرات الاجتماعية في ظل البناءات الثورية الجديدة،ويتحول التيار من مجرد مشارك مهماً كان دوره إلى الناطق الرسمي بل والمُقيّم للتجربة صاحب الحق الوحيد في التعامل مع كل وجهات النظر المعارضة أو حتى البديلة.
فالعدل والحرية والمساواة في الثورة الفرنسية يمتزجون بدماء النبلاء والمعارضين،والثورة البلشفية تكتسح العالم بمفاهيمها وأعلامها الحمراء والنخبوية وآلة القمع السياسي والعسكري لكل الإتجاهات المعارضة على مدار تاريخها،وصولاً للثورة الكمالية في تركيا التي صدّرت تطبيقها للفكر العالماني ملوحة بشعارات تبدوا بناءة للمجتمع المدني،فتحول المجتمع لفصام كامل من ديني الوجهه لاديني التوجه،حتى الثورة المصرية ونزعتها القومية وتأثيرها على العديد من البلدان العربية وغيرها حتى إيران ذاتها قبل العهد الثوري ومرحلة (مصدق) في إيران وتأميم البترول ثم فشلها،إلا أن الطابع الثوري المصري بكل ما اتسم به من فردية تبدوا كملامح الديكتاتورية،جعلت المد الثوري المصري ذا مسالب كبيرة على كل من حاول تطبيقها.فكل تلك الثورات ذات طابع نخبوي إنتقائي خالية من كل المضامين الثورية المعلنة منذ البداية.ولست أحاول هنا توحيد الخطاب بين كل الإتجاهات والتجارب الثورية العالمية،ولكني هنا في محاولة للحديث عن البنية الإنسانية المتطلعة دائماً لحرية أسطورية،والمواجهة بإحباط كامل.
والثورة الإيرانية لا تختلف من هذا المنظور عن غيرها من الثورات،فالهدف الأول المعلن دائماً دفع مظالم العهد الملكي،إعادة توزيع الثورات،الحد من كثرة التدخلات الأجنبية في الإستفادة من الموارد الطبيعية والإقتصادية الإيرانية.اعتمدت الثورة في قيامها على كل الطبقات الشعبية بمختلف الطوائف الاجتماعية،على رأسها اتجاهين أحدهما الاتجاه الماركسي المتمثل في حزب " توده "،ثانيها الحوزات الدينية،بالإضافة إلى كل الوجهات الثقافية الممثلة لكافة التوجهات داخل المجتمع الإيراني وبعد تاريخ طويل من الصراع مع السلطة الملكية وصل أحياناً إلى حد الصدامات الدموية،عانى منها كل فئات الشعب الإيراني.اعتلى التيار الديني بالتدريج أحياناً وبالتبعيد أحياناً الحياة السياسية الإيرانية،وعمل على نفي كل الإتجاهات المعارضة له.وتجسد الخوميني كرمز كلي للثورة مع تفريغ كل الرموز الثورية الأخرى من مضمونها.ولدى عودة الخوميني من منفاه في باريس بعد طرد الشاه،حُملت سيارته وهو داخلها على الأعناق.وأخذت الثورة الإيرانية بعدها اتجاهين غاية في الأهمية،الأول:نقل الفكر الثوري وتصديره في رداءه الإسلامي والصدام إن أستدعى الأمر (حرب الخليج الأولى مثلاً)،والثاني:التصفيات الداخلية وبأشكال متعددة لكل الآراء المعارضة من ماركسية أو ليبرالية ليست على وفاق مع النظام في كل ما يعتقد.
واستفاد المد الثوري الإيراني من نفس المساحات المستغلة من قبل كل الاتجاهات السياسية في المنطقة،فكانت المعارضة الدينية في الجزاير،وحزب الله في الصدام اللبناني الإسرائيلي،وحماس في فلسطين، مع دعم لكل أشكال معارضة الأنظمة في المنطقة،فالشكل الثوري لابد أن يكون إسلامياً (سني أو شيعي لا يهم) المهم أن تضمن طوال الوقت الأرضية الشعبية،خاصة مع إخفاق الحكومات القائمة على ملئ الفراغ السياسي الذي خلفته النظم الثورية القديمة،فكل المحاولات للتغير كانت على مستوى شكل الممارسة فقط.
إلا أن المد الثوري الإيراني لا يتلازم بالضرورة مع المد الشيعي أو محاولة تشيع المنطقة،وذلك لعدة أسباب،أولها/أن إيران متشيعة منذ البداية لا من بداية الثورة فحسب فما الحاجة الآن لنشر التشيع.ثانياً/إن التشيع منتشر بالفعل في المنطقة منذ قرون،فمعظم دول الخليج بها أغلبية شيعية،كما أن العديد من مراجع التقليد في المذهب الشيعي في لبنان (جبل عامل مثلاً)،والنجف بالعراق.ثالثاً/إن أكثر الاتجاهات ميلاً للتشيع في العالم الإسلامي هي الجماعات الصوفية،وهي ذات صلة وثيقة بكل التيارات الشيعية داخل إيران وخارجها.بل إن هناك تاريخ للتشيع لا بأس به في مصر على مدار التاريخ.
وفي النهاية لا أُبرئ الثورة الإيرانية من استغلال الطابع الديني في نشر الفكر الثوري الحركي،ولكنه لا يخرج عن كونه مجرد إستغلال،فالثورة الإيرانية تبدوا للوهلة الأولى لحظة نقية من التاريخ مثالية كما بدت كل الثورات،ولكن كما غيرها أيضاً أصبح لديها رصيد طويل من القمع ووحدوية الرؤية لم تعد صالحه معه للتصدير،وإن كان هناك ثمّة استهلاك فلا يتعدى الاستهلاك اليومي على صفحات الجرائد والأبحاث.
(جريدة صوت البلد)

الثلاثاء، 17 مارس 2009

الجمهورية الإيرانية وحماس


ذكرت جريدة (اطلاعات) الإيرانية الصادرة في( 1 فبراير 2009)،أن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس في زيارة لإيران مع وفد من الحركة ،حاملاً رسالة شكر لإيران حكومةً وشعباً على الدعم الذي لمسته حماس من الجانب الإيراني أثناء الحرب على غزة.وأنه سوف يلتقى بالقائد الأعلى للثورة الإيرانية (على خامنئي) ورئيس الجمهورية (أحمدي نجاد)،ومن المقرر أنه سيلتقي بالطلاب في جامعة تهران.هنا ينتهي الخبر ليكون مفتتح لتساؤلات عدة.
بالطبع لم تكن تلك هي الزيارة الأولى لإيران من قبل حماس،فمنذ نجاح حماس في الإنتخابات الفسطينية الأخيرة،هنأت الحكومة الإيرانية رسمياً وصول حماس إلى السلطة كداعمة للمقاومة الإسلامية في المنطقة،بل أن (علي خامنئي) أعلن أن إيران سوف تدعم حماس مادياً نتيجه لتجميد أموالها من قبل إسرائيل.وأثناء فترة الحصار الإسرائيلي لغزة أعلن (هشمي رفسانجاني) رئيس مجلس تحديد مصلحة النظام ورئيس الجمهورية الأسبق ـ أثناء زيارة خالد مشعل لإيران ـ (أن غزة هي الساحة الحقيقية للجهاد الإسلامي).وفي أثناء نفس الزيارة صرح (نجاد) بعد إشادته بدور حماس،(أن إيران ستكون الداعمة للأمة الفلسطينية المنكوبة).ولا ندري أي شكل من أشكال الدعم أراده نجاد،لكن من المؤكد أنه دعم لحماس فقط وليست للأمة الفلسطينية كما أعلن،بدليل الحرب الإسرائيلية على غزة فيما بعد.
المحير في الأمر ليس الدور الإيراني في الإنتقائية السياسية لحماس من دون غيرها في فلسطين،ولكن التساؤل هنا عن الدور الذي تلعبه حماس مع إيران،فمنذ إعلان حماس الرسمي (1987)،لم يكن لإيران أي حضور يُذكر،بل أن زعماء الحركة (ياسين ،الرنتيسي،...وغيرهم)،لم يلتقوا بأي من الزعماء الإيرانيين في ظل الحضور الطاغي لإيران أثناء حرب الخليج الأولى.والمعلوم بالبديهة أن حماس هي إعادة صياغة للإخوان المسلمين،والدعم الذي تتلقاه من أنظمة عربية تدعم التوجهات الإسلامية السياسية في المنطقة.وذلك إذا أضفنا البعد المذهبي في القضية،فحماس ليست حزب الله الشيعي ذا البناء والبنية الإيرانية.خاصة مع وجود جماعة (الجهاد الإسلامي) ذات التوجهات الإيرانية الصريحة ،أي أن هناك تواجد إيراني ملحوظ في فلسطين.فما الحاجة لكل هذا الدعم الإيراني لحماس؟.
هل تكون الإجابة لدى جماعة الإخوان،ذات العلاقات التي من الممكن أن توصف بالجيدة بالنظام الإيراني وبرموز التشيع في الشرق الأوسط ،فلدى قيام الثورة الإيرانية (1979)،كان تعليق أبو الأعلى المودودي (مجلة الدعوة العدد19 \1979)،أن على جميع المسلمين تأييد هذه الثورة بكل الأشكال.ومن وجهة نظر إيرانية (د.عباس خامه يار)(مدير مركز الأبحاث والعلاقات الثقافية الإيرانية) في كتابه (إيران والإخوان المسلمين)،يؤكد أن الذي يجمع بين كلا الاتجاهين هو الفكر الوحدوي المتجسد في هدف كلاهما تثبيت الإسلام كنظام للحكم،ونجاح إيران في تحقيق الهدف وسعي الإخوان لذلك،رغم بعض الخلافات الناتجة عن إنتماء الإخوان أحياناً للدعاوي الوهابية ضد إيران والتشيع بصفة عامة.هذا إذا وضعنا في الاعتبار موقف إخوان الأردن من الثورة الإيرانية ودعمها لكل أنشطة المد الثوري في عهد الخوميني وبعده.
وكذلك موقف الإخوان السلبي تجاه أحد رجالاتهم (القرضاوي) إذاء تصريحاته ضد المد الشيعي وإيران.مما يؤكد أن العلاقة التي تجمع بين الثلاثة جهات (حماس وإيران والإخوان)،علاقة تحكمها المصالح الأيدلوجية العامة بعيداً عن التفاصيل الدينية،فحماس هي بؤرة الحركة لكلا الشكلين،فهي مساحة تفريغ جيدة للأموال العربية الإخوانية وللعناصر التي تجسد الإتجاه الحركي بعد الهدوء النسبي الذي اعترى شكل الإخوان في مصر وغيرها من البلدان. كما أنها هي حلقة الوصل الحقيقية بين النظام الإيراني وجماعة الإخوان.
وعلى الجانب الإيراني تُعد حماس هي اللاعب الأهم في القضية الفلسطينية ،تلك القضية التي تتلاعب بها إيران على كافة الأوجه الخارجية والداخلية،فيكون الدعم أسلحة إيرانية تساهم في مزيد من الاشتعال في المنطقة بشكل عام تحت لافتة مقاومة الاحتلال،بل لا يمكن تبريئ إيران وحماس من دورهما في تفعيل أزمة غزة।حتى يتسق ذلك وزحزحة الأزمات الإيرانية (الداخلية والخارجية) خارج حدودها مع إحراج لكل النظم العربية المسؤولة عن الملف الفلسطيني.وتظل حماس تعلن وبشكل دائم أن الحرب على غزة لم تمس المقاومة وأنها لن توقف إطلاق النار ما دام هناك وجود لإسرائيل _ كما صرح خالد مشعل في لقاءه الأخير مع خامنئي ـ مما يؤكد أن مصلحة كل الأطراف أن تظل الأزمة مشتعلة وبهذا الشكل المطروح فقط لخدمة توجهات جميع التيارات الإسلامية في المنطقة.
(صوت البلد)

نظام الحكم في الجمهورية الإيرانية1

مرت على إيران العديد من الفترات التاريخية التي وصلت خلالها لقمة السيطرة الحضارية على العالم القديم،من أهمها مرحلة الدولة (الأكمينية ـ الهخامانشية) والتي حكمت خلال القرن الخامس والرابع قبل الميلاد،وتمثل هذه المرحلة بداية تكوين الدولة المدنية القائمة على أساس توسعي إمبراطوري،بحيث تم اخضاع لمناطق العراق القديم وصولاً لليونان ومصر،وكانت بداية تكوين جيش مركزي وحكومة قائمة على أساس قبلي متميز،فهناك قبيلة واحدة متمتعة بفكرة الدم الملكي والتي انحدر منها (قورش) وصولاً (لدارا ـ داريوش ) .ثم تأتي مرحلة الدولة الساسانية بعد فترة الحكم اليوناني لفارس على يد الاسكندر المقدوني،فكانت بمثابة إحياء للقومية الفارسية ونظم الحكم القديم والعودة لفكرة الحكم الملكي المطلق،واستمرت هذه الحقبة منذ القرن الثاني الميلادي وصولاً للحكم العربي بعد الإسلام.
أهم ما يُميز الدولة الساسانية فكرة الحكم المطلق للملك وكذلك اختيار الديانة الزرادشتية كديانة رسمية للبلاد،واستمرار فكرة التقسيم الطبقي بداية بطبقة الملوك (الشاهنشاهية)،ثم طبقة رجال الدين،وطبقة رجال الحرب والجيش،ثم الكتاب والموظفين،وفي النهاية الشعب والفلاحين.وهذه الطبقات محاصرة بالمفاهيم الاجتماعية والقبيلية مما يستحيل تغير الوضع الطبقي للفرد طالما هو منتمي لقبيلة بعينها عن غيرها،ذلك المفهوم القبلي الذي تتطور لمفهوم الأسرات العظيمة بعد ذلك.وهذا لا يمنع أن يُعين الملك بمطلق حريته من يراه مناسباً لأي منصب كان،فهناك كبير الوزراء،وقائد الجيش،غير أن كبير الموابدة معين من قبل رجال الدين الزرادشتي وهو المسؤول عن كل القضايا الدينية في البلاد فهو المرشد الروحي للملك وله سلطانه المنفصل إلى حد ما عن سلطة الملك.أي أن الدولة الدينية لا غنى عنها في العقل الاجتماعي الإيراني مهما تطورت أو تغيرت الديانات،وكذلك فكرة سمو طبقة عن أخرى وإطلاقية الحكم لفئة ما عن باقي الشعب،والذي تنحصر مهمته في الأعمال الدنيا وتوفير الضرائب على هذه الأعمال.
واستمرت تلك الأسس في إيران الحديثة وصولاً للدولة القاجارية (1795م) وحتى الدولة البهلوية (1921م) وصولاً للجمهورية الإيرانية (1979م)،فطوال التاريخ الإيراني ونظم الحكم معتمدة على شقين الأول الملكية بإطلاقها المقدس،ورجال الدين ونفوذهم وإرشادهم الروحي سواء هذا الإرشاد أو السطوة الدينية زرادشتية أو مذهبية شيعية.ولكن المميز للجمهورية الإيرانية هو الجمع بين الشقين قي ظل ولاية الفقيه والتي ناقشنا جذورها الاعتقادية والقكرية في الأعداد السابقة من (صوت البلد).فهي تُعد التجلي السياسي لفكرة دولة المهدي والحكم الشرعي الإلهي الممتد من قداسة الأئمة في المذهب الشيعي.
أول مراكز السلطة في إيران هو (القائد) الذي نص الدستور على منحه كل السلطات الدينية والسياسية،أي الجمع بين كلا المستويين للسلطة،وينص الدستور في مادته (109) على أنه بعد وفاة الخوميني سيتم اختيار المرشد من قبل مجلس الخبراء على أساس الفقهية والأعلمية والقدرة على الإدراة المطلقة،وهذا الاختيار قاصر على هذا المجلس دون غيره ولا يحق للناس مراجعته.ويلي المرشد (مجلس القيادة) والذي يختاره المرشد أو القائد الأعلى وتكون مهمته القيام بأعمال المرشد حال موته أو عجزه،و للمرشد القدرة المطلقة على تعيين أو عزل كل من لا يراه مناسباً لمنصبه أو لتوجهات الدولة والدستور.وبعد وفاة الخوميني عام (1989)،تولى (علي خامنئي) منصب الإرشاد العام وما زال للأن.
يلي منصب المرشد تبعاً للدستور الإيراني الهيئة التنفيذية،والمجسدة في منصب الرئيس ومجلس الوزراء،والقوات المسلحة والحرس الثوري.والرئيس يلي المرشد العام وهو المسئول عن تنفيذ الدستور، ومدة حكمه لا تتجاوز فترتان متتاليتان كل فترة محددة بأربع سنوات.ويشترط فيه أن يكون بالطبع إبراني الجنسية،وأن يكون متديناً مؤمن ،مؤيد لكل توجهات الثورة وأسسها.أي أن الدين شرط مؤسس حتى لمن يلي المرشد.
والمسؤول عن اختيار رئيس الجمهورية ليس الشعب مستقل،بل يُعرض المرشحين على مجلس الأوصياء أو (مجلس صيانة الدستور) وهو مكون من 12 عضواً 6 منهم يختارهم المرشد العام،والباقي معينين من قبل مجلس الشورى،وهذا المجلس مسؤول بعد ذلك عن مراجعة دستورية قرارات مجلس الشورى،وتحييد الأسماء التي لا يراها مناسبة لرياسة الجمهورية.أي أن عناصر اللعبة ستظل بيد المرشد مهما بدا العكس.
وللرئيس معظم السلطات التنفيذية،وله الحق في تعيين الوزراء ورئيس مجلس الوزراء ولكن بعد عرض الأسماء المرشحة على مجلس الشورى (البرلمان) المنتخب من قبل الشعب،وللبرلمان حق سحب الثقة أو الموافقة من عدمها على أحد المرشحين،بالطبع بعد مراجعة قرارته من قبل مجلس صيانة الدستور،وبالتالي المرشد.
وللحديث بقية
(منشورة في جريدة صوت البلد )

نظام الحكم في الجمهورية الإيرانية 2

إن الهدف من قيام الثورات بشكل عام هو تغيير الوضع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات التي هدفت الثورة،لإحقاق الحريات العامة والخاصة،لإفراز تغيرات جذرية في النظم الحاكمة للبناء المجتمعي بشتى أشكاله،وإلا لما كانت كل تلك الدماء التي أنتجتها الثورات على مدار التاريخ الإنساني!.ولكن من المؤكد أن الثورات لا تُحدث قطيعة كاملة عن السياق التاريخي الذي نتجت عنه،أي أن البنية التاريخية والاجتماعية يُعاد تشكلها ثانية تحت رداء نظام جديد يُسمى ثورة.
فيظل المرشد العام للثورة الإيرانية هو إعادة صياغة للحاكمية المطلقة المتسمة بالتقديس،ومهما بدا على مستوى السطح من الحريات المتجسدة مثلاً في انتخاب رئيس الجمهورية،إلا أنها تتم تحت مظلته في (مجلس صيانة الدستور) ـ كما أشرنا في المقالة السابقة ـ وهذا ينسحب على بقية السلطات التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء،وفي حال عزل الرئيس أو موته يتولى مكانه نائبه الذي وافق عليه المرشد من قبل أو نائب يُعينه المرشد إذا لم يكن موجود،لحين عقد إنتخابات أخرى.
أما فيما يخص الجيش وقوات الحرس الثوري،فيشترط كما ورد في الدستور إسلامية الجيش ولا يحق لأصحاب الجنسيات المتعددة الالتحاق بالجيش أو قوات الحرس الثوري،وعلى قوات الحرس الثوري الاستمرار في القيام بحماية الثورة وإنجازاتها ( وهذا معنى فضفاض فالجيش مسؤول عن الدفاع عن الوطن وحماية الحدود وهذا واضح ولكن ما معنى الحفاظ على الانجازات الثورية علي يد الحرس الثوري وكأن هناك تعارضاً بين الوطن والثورة) ،فهناك اختلاف بين الجيش كمؤسسة عسكرية وبين الحرس الثوري المتكون أثناء قيام الثورة من قوات شعبية غير نظامية ثم تم وضع نُظم لها لتدخل تحت مظلة القوات النظامية بشكل عام،هذا التعارض قد نتناوله في سياق آخر عن المؤسسة العسكرية في إيران وتطورها.
أم فيما يخص السلطة التشريعية،فهي تنقسم إلى قسميين رئيسيين أولهما (مجلس الشورى)البرلمان، ويشترط في أعضاءه الإسلام العميق الصادق (ولا أدري كيفية الحكم على هذه النقطة!)،ويتم بواسطة الإنتخاب المباشر،بالتدرج الطبيعي بوجود مجالس إدارية صغيرة (تشبه المجالس المحلية) وصولاً للبرلمان. ومحجوز بالمجلس خمس مقاعد للأقليات غير المسلمة،فهناك مقعد لليهود،ومقعد للزادشتيين،وواحد للمسيحيين الآشوريين،وإثنين للمسيحيين الأرمن،من تعداد يصل إلى 290 مقعداً،ويُنظر في عدد المقاعد كل عشر سنوات حسب التغيرات الديموغرافية في إيران.نلاحظ أن الأساس في منح المقاعد تعتمد على المفاهيم الدينية والعرقية،أي ليس كل من هو داخل الحدود الإيرانية إيراني كامل المواطنة،بل تظل هناك أزمات الأقليات التي يعاني منها المجتمع الإيراني خاصة في ظل الدولة الدينية.
ومهام مجلس الشورى مناقشة خطط الحكومة،وكل الإتفاقيات الدولية والحدودية،مساءلة الحكومة وممثليها،وإمكانية سحب الثقة منهم،ولكن من المؤكد عدم مساءلة المرشد العام أو توجهاته،ومدة الدورة في مجلس الشورى لا تتعدى أربع سنوات.
ولكن تتم مراجعة كل قرارات المجلس من قبل مجلس صيانة الدستور،وهو الجانب التشريعي الآخر ومكون من (12) فرد يختار المرشد منهم 6، وغالباً ما يتم فض الاختلافات عن طريق المرشد في النهاية.
ثم تأتي السلطة القضائية،وهي ذات تقسيم يبدوا عكسياً،فوزير العدل معين من قبل رئيس الحمهورية ـ هذا منطقي ـ ولكن ليس للرئيس الحرية المطلقة فالذي اختاره يكون من قائمة معدة مسبقاً من قبل (رئيس الهيئة القضائية) وهو المعين مباشرة من قبل المرشد،بحيث يُعين شخص يُعرف بالعدالة والفقهية،فالقضاء سلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية فقط،والغريب أنه من حق رئيس الهيئة القضائية محاسبة المرشد والرئيس عن أموالهم ولا أعلم كيف يمكن ذلك في ظل تعيين المرشد مباشرة له.وهذا يبدوا بديهياً في ظل دولة تؤمن أنه لا حاجة للقانون في ظل الشرع،فالقضاء مشرف على تنفيذ القانون الإلهي فقط.
ثم يأتي مجلس آخر مستحدث في تعديل الدستور عام 1989 وهو مجلس (تشخيص مصلحة النظام)، وهو مجلس مُعين من قِِبل المرشد مباشرة،مكون من 34 عضواً،دوره النظر في القضايا المثارة بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى،ويُعتبر دوره استشاري بالنسبة للمرشد وبالطبع ليست ملزمة له ومدته ثلاث سنوات.وهو القائم بمهام المرشد حال عجزه أو وفاته لحين اختيار المرشد الجديد.
وفي النهاية (المجلس الأعلى للأمن القمومي) ويرأسه رئيس الجمهورية،ومهامه تحديد المصالح الوطنية العليا بشكل نافذ بعد موافقة المرشد عيها بالطبع،وأهم أعضاءه القائد الأعلى للقوات المسلحة،رئيس الهيئة القضائية،ونواب عن المرشد يُعينهم المرشد.
هذا بشكل مختصر النظم المعقدة للحكم داخل إيران والتي تُعد التجلي النهائي لفكرة ولاية الفقيه، فهي دولة تعيين المرشد فقط ،ومن الممكن اختزالها أنها دولته المطلقة.

الثلاثاء، 10 مارس 2009

كتاب بعنوان (كربلاء بين الأسطورة والتاريخ دراسة في الوعي الشعبي الإيراني)

يناقش هذا الكتاب الأبعاد الفولكلورية والمذهبية التي احتوت موضوع مقتل الحسين ومدى ارتباطها بالوعي الأسطوري أي محاولة البحث عن البنية المؤسسة التي نبع منها الآلية الطقسية المتربطة بالقضية الحسينية في تجلياتها الإيرانية والشيعية بشكل عام ।وفصول الكتاب كالآتي:

أهم ما قيل عن كربلاء

مقدمة

المبحث الأول: (البنية الأسطورية لكربلاء في مصادرها التاريخية)

ـ أسس النزاع.

ـ المصادر الأصلية لتناول حادثة كربلاء.

ـ حادثة كربلاء كما وردت في المصادر التاريخية.

ـ رؤية إجمالية.

المبحث الثاني : (شخصية الحسين في النص الموازي(الحكاية الشعبية الإيرانية ))

ـ البناء الحكائي لنص الحادثة.

ـ الحكايات الشعبية للحسين.

ـ النظرة الشعبية لعلي بن أبي طالب.

المبحث الثالث: ( الأسطورة كأساس للوعي الشعبي الإيراني بكربلاء)

ـ النسق الأسطوري وكتابة التاريخ (رؤية تحليلية).

ـ عناصر تكوين الفرق الدينية والوعي الأسطوري.(الشيعة نموذجاً)

ـ الجذور الأسطورية للحكايات الحسينية.

المبحث الرابع: ( المسيرة والشبيه (دراسة في رمزيةالطقس العزائي))

ـ وظائف الشبيه (مسرح العزاء الإيراني) الأسطورية.

ـ مسيرة العزاء وعودة الإله المقتول.

المبحث الخامس: ( الشفاعة والولاية بين التجريد والتجسيد )

ـ زيارة العتبات المقدسة (النص والفعل).

ـ الولاية والشخصية المركزية.

المبحث السادسL)تجلي المقدس في شعر العزاء)

ـ التجسيد الشعري.

ـ الذنب بين المسيرة و الشعر.

ـ الشفاعة والزيارة في شعر العزاء.

ـ المفهوم الديني والنص الشعري.

ـ دراسة في أسطورية أشعار العزاء.

الخاتمه।

قائمة المصادر والمراجع

(الكتاب صادر عن دار رؤية للنشر،2009)